عندما نَفد الوقود!

August 16th, 2017

View from the car window of a road in Cairo, Egypt

نزلت من على السلم في عجالة, و اخذت خطوات سريعة في اتجاه سيارتي, التي كانت تصف بالقرب من بوابة الشركة. كانت خطواتي عشوائية, فأنا بالكاد كنت أرى من وراء الدموع التي تجمعت في عيني و رَفَضَت النزول لتحررني من هذه الغصة التي كنت أشعر بها. ركبت السيارة و استجمعت قواي, و انطلقت لا أعلم الى أين. لم يكن على بالي سوى سؤال واحد, يعيد نفسه مرارا و تكرارا, لماذا أنا؟! لماذا قرروا الاستغناء عن خدماتي الان, و بهذه الطريقة؟! لقد كنت من أكفأ الموظفين و من أكثرهم نشاطا و ذكاءا و تفانيا في العمل. كنت أحصل على التقدير و الاحترام من جميع المديرين. لا يوجد تفسير لما حدث, و لا إجابة لأي سؤال من تلك الأسئله التي تتصارع داخل عقلي. و لكن السؤال الأهم كان, و ماذا بعد, ماذا الآن, ماذا سأفعل في حياتي؟ لقد كان عملي هو محور حياتي, و الآن تلاشى هذا المحور ليختفي في العدم, ليتركني تائهة لا أعلم ماذا سأفعل.

فجأة توقفت السيارة, و لحسن الحظ أنني كنت أسير ببطأ على يمين الطريق, لقد ...اقرأ المزيد

ســر الملاءة السوداء

August 14th, 2017

Panoramic view over the city of Constantine, Algeria

قسنطينــة ، 1958

دخل الضابط الفرنسي الشاب الحانــة بحي القصبة متعبا بعد يوم عمل شاق، ثم طلب شرابا، وغرق في ذكرياته …
لم يأت إلى قسنطينــة في الوقت المناسب،جاء في زمن الحرب، وكضابط شاب حريص على تسلق سلم الرتب العسكرية فقد نفذ الأوامر دون أن يسمح للأسئلة بإزعاجه…حتى عندما طلب منه تعذيــب الثوار، وقتلهــم !!
منذ وطأت قدماه المدينة الأسطورية أحس برهبة شديدة…
كانت جالسة بشموخ “عشتار” فوق صخرة عتيقــة تحدها هاوية مرعبة قعرها واد الرمال، وفوق النهر النحيل ألقت جسورها السبعة المراسي إلى الضفة الأخرى التي تربطها بالعالم، وأكثرها تطير على ارتفاع شاهق تحس بسببه بالدوران والخوف.
ورغم هذا فقد أحبها لأنها تأسر القلب بجمالها الأخاذ .. بجسورها الجميلة وأحيائها القديمة التي تتنفس التاريخ، ومناظرها الطبيعية الخلابــة.
قطع حبل تفكيره فجأة صوت أنثوي عذب، فالتفت ليجد بجانبه فتاة جميلة ترتدي فستانا رائعا.
— هل تنتظر أحدا؟
تفاجأ الشاب الباريسي بجرأة تلك الفتــاة،فحتى في باريس النساء لم يصلن إلى هذه الجرأة !
ابتسم ، وقـال :
—لا، أنا وحيد..يشرفني أن أستأنس بمحادثتك.
— حسنا، أنا اسمي “إيزابيلا”.. فرنسية من أصول إسبانية …
— ...اقرأ المزيد

بائعة الياسمين

August 11th, 2017

Idlib, Syria

في ذلك الصباح، كان المشهد مفجعاً، كئيباً، سحب الدخان، والغبار حجبت ضوء الشمس، الهواء مشبع برائحة الموت، كل شيء يتأوّه، يصرخ، المدينة تمطر أحزانها، مع إشراقة شمس صباح ذاك اليوم.

راح الناس يتوافدون إلى سوق المدينة فغداً هو أول أيّام العيد، وأصبح السوق كخلية نحل، ومن أمام متجري المطلّ على السوق، بدأت أراقب حركة النّاس، وأنظر إلى شجرة الزيتون العتيقة التي تتوسط السّاحة، وأرى فيها مستقبل أولادي، إنها شجرة مثمرة، شامخة شموخ المعتز بوطنه، متمسّكة بالأرض، وارفٌ ظلها، يتفيأ به النّاس.

غصّ السّوق بالنّاس، نساء، شيوخ، أطفال فرحينَ باختيار ثياب العيد، الكل يستعدّ ليوم الغدّ، لأول مرة أستمتع بضجيج المدينة، وضوضائها.

من بعيد تراءت لي الطفلة بائعة الياسمين، يستوقفها أحدهم، ليبتاع منها طوق ياسمين، تطير بجناحيها فرحاً كالفراشة، تحط أمام واجهة أحد المحال، لتختار لنفسها ثوباً، تتمايل أمامه، تلصق وجهها بالزجاج، تتراجع، تلف حول نفسها، وتحلق بجناحين من حلم، وفرح.

وولدي يقف بجانبي
ـ أبي، هل ستأخذنا إلى مدينة الألعاب؟

ـ نعم، احتضنني، قبّلني، لفحتني أنفاسه، قشعريرة تخترق جسدي.

من بعيد صوت هدير طائرات.

انفكّت ذراعيه عن عنقي، دخل مسرعاً، جلس تحت الطاولة، أغرق جسده بين ركبتيه، أختصره بأصغر حجم ممكن كي لا تطاله الشظايا، محتضناً ثياب ...اقرأ المزيد

رسالة من فتاة البحر

August 9th, 2017

Juliyana Beach, Benghazi, Libya

تسللت خیوط اللیل الحالك رویدا؛ لتباغت الفضاء الذھبي المطل فوق البحر الساكن.. تداخلت بلطف مع النور الأصفر الباقي ھناك في الأفق، وأخفقت لمعانھ.. ملأت محیط المقھى الذي أجلسھ بھدوء تلى ضجیج النھار المعتاد في منطقة جلیانة بسبب زوار شاطئھا. رائحة شواء السمك منبعثة من مطاعم الجوار تزورنا عبر النوافذ الخشبیة القدیمة للمقھى؛ رغم غیاب نسمات الریح ذلك الیوم!.. موسیقا كونشرتو تصلني مباشرة عبر سماعات لصیقة بأذني لا أكاد استمع لتفاصیلھا بسبب انشغالي بقراءة كتاب عن تاریخ لیبیا القدیم… وقفت على فقرة متمعنا بتركیز حقیقي، وقرأت جیدا: “تروى الحكایة أن Gluliana جلیانة ھي اسم لفتاة إنجلیزیة شقراء ناعمة، لم یسبق أن عُرف لجمالھا نظیر، في السابعة عشر من عمرھا وھي الابنة البكر والمدللة للقنصل الإنجلیزي في مدینة بنغازي حوالي عام 1850.. وقد ماتت في ریعان شباباھا غرقا، اختطفھا البحر عندما كانت تسبح داخلھ.. لم یعم الحزن على أسرتھا فقط؛ بل على جمیع سكان المدینة آنذاك؛ لذلك تم اطلاق اسمھا على المنطقة التي تحد ذلك البحر”…

ما أن خرجتُ من المقھى كان اللیل قد أسدل ستار العتمة خاصتھ، فقررت أن أجوب المسافة التي تمتد على طول الشاطئ متجولا وحدي، ...اقرأ المزيد

شكرا شط النوارس

August 7th, 2017

Port El Jebeha, El Jebha, Morocco

كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة التي جعلت كل خلية من جسدي مصلوبة و متوثبة في آن ؛ تماما كمن يصارع لالتقاط أنفاس الحياة تحت أنقاض تسد عليه كل منفذ نحو الهواء و الضوء !

كانت لحظة بعمر ، فقد اكتشفت فيها أبعادا أخرى للنفس البشرية و للبدن الذي تسكنه . أجل ، لم أتخيل يوما أنني سأكون في مواجهة مباشرة و إرادية مع خوفي الأقصى و الأقسى، لكن هذا ما حدث و بإصرار مُلحّ مني ! و في غمرة هذا اللقاء الهائج و الهادئ معا أدركت أن روح الإنسان أرحب من السماء التي كانت تظلني ، و أعمق من البحر الذي أكلت المرافئ رمله و زَبده في شط النوارس.

شط النوارس أرض عذراء تغفو على كتف البحر الأبيض المتوسط ، و على ما فيها من جمال و تنوع جغرافي بقيت متوارية عن أنظار السياح و المستجمين و المسؤولين ؛ فقط بعض المراكب التقليدية تلقي بصبر البحارة و آمالهم في هذا الأزرق الذي تحسبه قد تشكل من دمع النساء المنتظرات عودة أزواجهن بأقل القليل المُستلّ من سطوة المالك الوحيد لهذه المراكب ، أما على الطرف الثاني ...اقرأ المزيد

قالت: شكراً

July 26th, 2017

Nablus, West Bank

قالت: شكراً.

جبلٌ عال معتم ومهجور قبالة الجبل المأهول بالناس والضحكات والصخب، في طريق لم يعبد شُق لمساعدة أهل المدينة العارفين على أن يتجاوزوا أزمة الطرقات، لقلة المارقين فيه يعوي الخواء. 
من هناك كانت المدينة تعج بالأضواء المرمية كجثة بيضاء حيناً ما بين عيبال وجرزيم وحيناً كعرس مزركش يمر عبر جنازة، أما الغيوم فتقمصت لون الطرقات والشهداء ودموع الامهات الثقيلة، حمراء بلون مثلث العلم الذي ابتلع زيتوننا وسلامنا، قريبة حد الهيام، عصية حد الملام. 
قبل الوقت بسنين كنت تلميذاً للصمت والاغتراب، باحثاً عن ملجئ اخبئ فيه وحدتي؛ أسير أميالاً صعوداً، أبلع البرد لارمق الغيمات الحمراوات هرباً من مدينة تحترف الحلوى والقسوة، تضيء السماء والنفوس ملؤها الظلام.

قالت: شكراً.

يومها اشتعلت أنوار الدنيا بعيني كأقصى الفرح؛ كالبكاء. 
كانت طالبة في السنة الأخيرة بذات الجامعة التي تعلمتُ فيها أن امضغ عقلي جيداً وأن ارثى لكل إرث، تملك ذات اليأس من مدينتنا الحمراء الطافحة بالعيون، ولها شغف العشق.
وكما العَلم ارتكنا الى الجانب المعتم في ذاك الطريق المقفر فوق الجبل، نبحثُ عن مكانٍ آمانٍ للحب.

تبسمتُ حباً؛ إن الامكان لا تقسو علينا إن نحن اهدرنا وحدتنا فيها ستبادلنا الدفئ يوماً.

قالت: شكراً.

ضحكَ قلبي. إن للدنيا دروبٌ لا يعلم كُنها إلا ...اقرأ المزيد

أخذ القلب ولم يعده

July 25th, 2017

Khenifra, Morocco

لم أعرف متى بدأت قصة حبي لنهر “ام الربيع” الذي يخترق مدينتنا “خنيفرة”. هل كان ذلك في إحدى المرات التي جلست بقربه مع أسرتي ، لتمضية أمسية ؟هل وقع ذلك أول ما تذوقت سمكاته ذات الطعم المميز؟أم هل لأني كلما شعرت بالضيق، أقف بجواره فأتصور أنه يقبل تسلم همومي ومن تم يحملها بعيدا إلى مكان ما فلا تعود إلي أبدا؟

أحببت النهر فتعودت الوقوف على قنطرة من القناطر الخمسة المقامة داخل المدينة .هناك كنت ألتقي فتاة بشكل متكرر، بعد فترة ، تبادلت معها الحديث ، فعلمت أنها تدعى”نسرين” ،طالبة في السلك الثانوي، تعشق النهر مثلي، تقطن بجوار النهر لكنها تحب رؤيته أكثر من هذه القنطرة.

أحد أيام فصل شتاء ممطر. فاض النهر عن مجراه، دخل المنازل المجاورة وأخرج منها الأغراض، أفزع الناس في منامهم، قطع أوصال المدينة وأسقط إحدى القناطر المقامة عليه.

كرهت “نسرين” النهر لأنه آذى منزلها وطلبت من عائلتها الرحيل عن البلدة بأسرها .

لم أحب لصديقتي أن تترك بلدتها، لم يرق لي أن تعيش بعيدا عن أقاربها وأن تتغرب عائلتها ، فكرت أن أجعلها تنسى الصدمة فطلبت من أهلها السماح لها بتمضية العطلة معي ومع عائلتي.

هكذا توجهنا ...اقرأ المزيد

ملاك

July 24th, 2017

“قصتي لعلها حدثت, أو لعلها لم تحدث, ولكن أحداثها انبثقت من أوجاع خيالي وأنا أرقب بعين دامعة أخبار المجزرة المروعة التي هزت قرية المبعوجة. القرية التي أذهلتني بروعة جمالها يوم مررت فيها خلال زيارتي إلى سوريا.”

جلست بهدوء أهدهد ملاكي الصغيرة التي أتمت أعوامها الثلاثة قبل أيام قليلة. صوت بكائها المرتجف بدأ يهدأ على عكس أصوات الصراخ أسفل الشارع. دوى إنفجار آخر ارتج له البيت بشدة, وعلا معه بكاء صغيرتي من جديد. مسحت بيدي على شعرها الحريري وأنا أغني لها بصوت خفيض. عيناها الواسعتين ترتجفان وسط لآلئ الدموع المتساقط منهما وهي تشد بيدها الصغيرة على أصبعي طالبة منه الأمان. لقد بدأ الهجوم في عتمة الليل. دوي القذائف قذفني من سريري لأسقط على ركبتي أمام سرير مسكينتي الصغيرة.

لطالما كان بكاؤها يقطع نياط قلبي. لا أزال أذكر يوم ولادتها كيف حملتها بيدين مرتجفتين. يومها قالت لي أمي أن علي أن أؤذن في أذنها اليمنى, ولكن قلبي لم يكن ليتحمل صوت بكاؤها الناعم. مع آخر عبارات الأذان التي بالكاد نطقت بها كانت دموعي تنهمر كالسيل على خدي. ربما كنت قاسي الملامح بعد سنين صقلت جسدي في مصانع الحديد, ولكن دموع الأطفال كانت تمزق قلبي.

أخذت أغني بأعذب صوت ...اقرأ المزيد

السيدة “د”

July 20th, 2017

Markaz Tama, Sohag Governorate, Egypt

حملت أوجاعها المتسلسلة في طرف ثوبها المُبتل، لترحل بعيداعن بُقعة العفن التي عانت فيها من أوجاع الروح،وسقطت فيها من أعلى قمة المُنحدرمرات ومرات؛سقوطها كان مدوي لدرجة أن شياطين الجن استعاذت بالله من فعل بني الإنس.

نفسها محبطة إلى أبعد الحدود، تفكيرها في الانتحاريطرُق بابها كُل ليلة، ولكنها كانت تستعيذ بالله من كُل شر يسكن في مُحيطها وبالأخص الأنثى التي تُشاركها المنزل وتدعى (روحية) ؛ المرأة الغامضة المستيقظة ثُلثي الليل تنظر إلى النجوم ، وتمتماتها الغريبة التي كانت تخترق حيز الروح المؤمنة بالخرافات؛ فكل نساء القرية كُنً يحضرن إليها من أجل فك الأعمال المُعلقة في صدورهن مُقابل ، كوز من الذرة أوحفنة بسيطة من القمح الذي لا يراه الجميع هنا إلا من العام للعام ،أو بضع أمتار من (الجاز) لتُنير اللمبة (رقم سبعة) القابعة في منزلها التي رمادها يُغطي على بنورتها الخافتة فتصيب المنزل بكآبة أكبر من الكآبة المُنتشرة على جدران المنزل المهجور الذي مات أهله بسبب مرض غريب ، جعل الأجساد تهترئ، منزل منذ القدم لا يُولد فيه ولد ذكر إلا ويموت.

ولأنها تخشى المواجهة دائما، فلم تتحدث معها كثيرا فكان شاغلها الشاغل أبنائها الصغار الذين رحل عنهم الأب بعد مُعاناة ...اقرأ المزيد

وادي الكوف

July 19th, 2017

Wadi el Kuf, Lybia

في ليلة مظلمة رغم اكتمال القمر‘ اجتمع أقوى السحرة والعرافين على وجة الأرض في مكان سري أسفل وادي الكوف؛ كانت ليلة ينتظروها كبار السحرة فحسب تقاليدهم الشيطانية يجب أن تنفتح بوابة إبليس هنا هذه الليلة قبل بزوغ الفجر وفقا لكتبهم الصفراء كل الف عام تنفتح البوابة في مكان ما لتنبعث القوة منها ‘ هناك مؤشرات يربطون بينها وبين انفتاح البوابة والتي لم يوفق سلفهم في فتحها أقوى هذه المؤشرات انعدام الإنسانية وموت الضمير اتجاة القضايا الواضحة والتي يرى فيها الظلم ولا يتحرك أحد لرفعه الليلة يجب أن يستمر الحال على ماهو علية يجب أن لا يصدر من إنسان عمل خير ولو بسيط ‘ كان السحرة يباركون المكان ويقرؤون طلاسمهم وتعويذاتهم وسط ذلك الاجتماع كان السحرة الأبرز ثلاثة : ساحر بوذيّ ‘ و الثاني يهوديّ‘ والآخر داعشيّ كل منهم انتظر بفارغ الصبر انفتاح بوابة إبليس وسط صخب السحرة وأقوالهم الشيطانية قال البوذي بعض طلاسمه متقربا إلى الشيطان وبضحك مخيف: لقد قتلنا المسلمين وأكلنا أطفالهم و صمت العالم ‘واليهودي قال وهو يقرأ تعاويذه :لقد قتلنا الفلسطينيين وأحدثنا التصدعات في المسجد الأقصى ثم راح يهز رأسه وجسده ويقول: وصمت العالم عنا بل يكادون ...اقرأ المزيد